خريف السموم.. عندما تُستخدم البيئة كأداة للإبادة البطيئة
في الوقت الذي تُشكل فيه فصول السنة دورة طبيعية لتجدد الحياة، يحلّ فصل الخريف على الأحواز محمَّلاً بموجات جافة وعواصف ترابية خانقة تحجب السماء وتغطي المدن والأرياف بكتل من الغبار السام. إن هذه العواصف الكثيفة التي تعيشها الجغرافيا الأحوازية اليوم ليست مجرد تقلبات مناخية عابرة، بل هي النتيجة المباشرة والحرجة لأكثر من ثلاثة عقود من السرقات المائية الممنهجة، وتجفيف الأهوار، واحتكار مياه الأنهار خلف السدود وتحريف مجراها الى خارج حدود الأحواز.
لقد تحول الهواء والموارد المائية في الأحواز من مقومات الحياة الأساسية إلى أداة للإبادة البيئية (Ecocide) والتدمير المنهجي المباشر لمقومات بقاء المواطن الأحوازي على أرضه. إن فرض هذه الظروف البيئية القاسية يُعدّ إخضاعاً عمدياً للسكان لظروف معيشية كفيلة بتدمير سلامتهم البدنية والصحية وتجريدهم من مواردهم التاريخية، مما يجعل السياسات المائية الحالية تتجاوز الإهمال البيئي لتصل إلى مستوى الجريمة القانونية المكتملة الأركان، وهو ما تؤكده البيانات والاعترافات الصادرة عن المؤسسات الرسمية نفسها.
أولاً: الاعترافات والتصريحات الرسمية الإيرانية حول الكارثة
لا تقتصر الشواهد على التقارير الميدانية المستقلة، بل تؤكدها وتدعمها تصريحات رسمية صادرة عن وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية الإيرانية:
* الاعتراف الرسمي بتلوث الهواء والتصحر (وثيقة وكالة أنباء الطلاب الإيرانية – إيسنا):
في تصريح رسمي لوكالة أنباء الطلاب الإيرانية (إيسنا)، أقر مسؤول العلاقات العامة في إدارة حماية البيئة بالمنطقة (مهدي موسوي) بأن البيانات الصادرة عن “منظومة رصد جودة الهواء في البلاد” سجلت دخول عدة مدن أحوازية في حالة الخطر والأوضاع “غير السليمة” والافتراض الأحمر. ووفقاً للبيان، بلغت تركيزات الجسيمات الدقيقة الضارة (PM_{2.5}) في محطات قياس كـ “محطة شركة الحفر الوطنية” في الأحواز العاصمة مستويات حادة بلغت 170 ميكروغرام في المتر المكعب، إضافة إلى تسجيل وضع “أحمر وخطر” في مدن أخرى كـ تُسْتَر، وبركة سلمان (مسجد سليمان)، والسوس، مما يثبت بيئياً التحول الحاد والأثر المباشر لتجفيف الأراضي وانتشار بؤر الغبار والتصحر.
* التحليل العلمي لنسب التلوث المرتفعة مقارنة بالمعايير الدولية:
توضح منظمة الصحة العالمية (WHO) التابعة للأمم المتحدة أن الحد الأقصى المقبول لتركيز الجسيمات الدقيقة (PM_{2.5}) في الهواء هو 20 ميكروغرام في المتر المكعب (كحد أعلى يومي وفق الإرشادات المعتمدة). وبالمقارنة مع الرقم المسجل رسمياً في الأحواز العاصمة (170 ميكروغرام/م³)، فإن نسبة التلوث تتجاوز المعايير الدولية بأكثر من 8.5 أضعاف (أي بنسبة زيادة تتجاوز 850%)، وهو ما يمثل خطراً داكناً ومباشراً على السلامة الجسدية والصحية للسكان.
* الاعترافات الرسمية بتجفيف هور العظيم بنسبة 70%:
كشفت التصريحات والتقارير الرسمية الإيرانية المتطابقة عن حجم الكارثة الموجهة ضد هور العظيم (أكبر الأهوار الأحوازية)، حيث أُقرّ رسمياً بتجفيف ونضوب ما نسبته 70% من مساحة هور العظيم لصالح مشاريع استخراج النفط والمقاولات الصناعية، مما حول هذا الحوض البيئي الإستراتيجي إلى بؤرة كبرى لتوليد الغبار والملوثات السامة وتدمير التنوع البيولوجي.
ثانياً: أبعاد الأزمة البيئية والسرقة المائية الممنهجة
- سرقة المياه واحتكارها خلف السدود
* سرقة المياه نحو المحافظات المركزية: لم تكن عمليات بناء السدود ومشاريع القنوات مجرد إحداث تغييرات مائية، بل هي عمليات سرقة مائية ممنهجة جرى من خلالها مصادرة مياه الأنهار الأحوازية (كارون، الكرخة، والدز) ونقلها خارج الحدود الجغرافية للأحواز لصالح المدن والمشاريع الصناعية والزراعية في المحافظات الإيرانية المركزية (مثل أصفهان، ويزد، ورفسنجان).
* الملوحة والتملح العكسي: أدى احتكار المياه وسرقتها إلى انخفاض شديد في ضغط التدفقات العذبة المتجهة نحو الخليج العربي وشط العرب، مما أتاح لماء البحر المالح التقدم عكسياً داخل مجاري الأنهار الأحوازية، وتحويل المياه إلى مياه غير صالحة للشرب أو الري، مما دمر الخصوبة التاريخية للتربة.
- تدمير غابات النخيل والقطاع الزراعي
* هلاك وموت ملايين النخيل: تسبب ارتفاع الملوحة وتجفيف الأنهار في هلاك واندثار ما يقارب 20 إلى 30 مليون نخلة في الأحواز، وهي ثروة بيئية واقتصادية تاريخية شكلت الركيزة المعيشية لآلاف العائلات الأحوازية.
* مشاريع قصب السكر وسكب الملوثات: ساهم استغلال المساحات المتبقية لصالح مشاريع قصب السكر الحكومية في تفاقم تلوث الموارد المائية، حيث يتم غسل الأراضي وتصريف مياه الصرف الزراعي شديدة الملوحة والمحملة بالمواد الكيميائية في مجاري الأنهار والأراضي المجاورة.
- حظر الزراعة والتهجير القسري للسكان
* منع المزارعين الأحوازيين: أصدرت الدوائر الحكومية ووزارة الزراعة قرارات متكررة تمنع السكان الأحوازيين – الذين يعتمد معظمهم على الزراعة كمنبع رزق أساسي – من زراعة أراضيهم بذريعة “شحة المياه”، بينما تستمر السرقات المائية لصالح المشاريع الحكومية والمحافظات الأخرى.
* إخلاء القرى والتغيير الديموغرافي: أدى انعدام مقومات الحياة ومياه الشرب والري إلى إخلاء عشرات القرى من سكانها الأصليين وهجرتهم القسرية نحو حواشي المدن الكبرى والتجمعات العشوائية، مما تسبب في أزمات بطالة وفقر وتغيير ديموغرافي مستهدف في التركيبة السكانية للأحواز.
ثالثاً: التكييف القانوني والحقوقي الدولي (الجريمة البيئية)
تعتبر هذه الممارسات والسياسات المائية انتهاكاً صارخاً للالتزامات الدولية والمواثيق الخاصة بحقوق الإنسان وتصل إلى حد الجرائم الممنهجة:
* جريمة الإبادة البيئية (Ecocide) والإخضاع العمدي لظروف القتل البطيء:
تُعدّ الممارسات المتمثلة في مصادرة المياه وتجفيف 70% من مساحة هور العظيم وتعريض السكان المستمر للسموم المباشرة (التي تتجاوز المعايير الدولية بـ 8.5 أضعاف) تكييفاً قانونياً لجريمة “الإبادة البيئية”، حيث تنطبق عليها المبادئ الشارحة للمادة (2) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، جراء إخضاع الجماعة السكانية عمداً لظروف معيشية بيئية حادة تؤدي إلى تدمير صحي واقتصادي وديموغرافي شامل.
* انتهاك الحق في الحياة والبيئة السليمة (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 76/300):
إن تجفيف البيئة واستنزاف الأنهار يُعدّ مساساً مباشراً بالحق القانوني والدولي الصريح في التمتع ببيئة نظيفة وصحية ومستدامة، ويحول الهواء والمياه إلى أداة لتهديد السلامة الجسدية للأهالي.
* انتهاك الحق في المياه والغذاء والصحة (المادتان 11 و12 من العهد الدولي ICESCR):
إن قطع مياه الري والشرب يتسبب في حرمان السكان من مصادر العيش والتغذية، ويؤدي بفعل العواصف الترابية والتلوث إلى انتشار الأمراض المزمنة والسرطانية، وهو ما يشكل خرماً لالتزامات الدولة في حماية الصحة العامة.
* الحماية من التهجير القسري والتجريد البيئي:
يكفل القانون الدولي الحقوقي حماية المجتمعات المحلية من السياسات الجائرة التي تُفضي إلى إخلاء القرى والتهجير القسري وتجريد السكان الأصليين من أراضيهم ومواردهم الطبيعية.
رابعاً: المطالب والتوصيات
بناءً على التوثيق العلمي والحقوقي المرفق بالاعترافات الرسمية، تطالب المنظمة بـ:
* الوقف الفوري لسرقة المياه: إنهاء كافة مشاريع نقل وسرقة المياه من الأحواز نحو المحافظات المركزية وإعادة التدفق الطبيعي للأنهار.
* الملاحقة القانونية لجريمة الإبادة البيئية: تحريك الشكاوى الحقوقية لدى الهيئات والأجهزة الدولية المعتمدة لمساءلة الجهات المسؤولية عن تجفيف 70% من هور العظيم والأهوار الأحوازية والسرقات المائية بصفتها جريمة ضد البيئة والإنسان.
* إلغاء قيود الزراعة وتعويض المتضررين: رفع الحظر المفروض على المزارعين الأحوازيين وتعويضهم عن خسائرهم الناتجة عن تلف الأراضي وهلاك ملايين النخيل.
* تحرك دولي وأممي عاجل: دعوة برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) والمقرر الخاص المعني بالحق في المياه والحق في الصحة لإرسال لجنة تقصي حقائق لمعاينة الأوضاع البيئية والصحية في الأحواز وتوثيق أثر العواصف الترابية والتلوث على حياة السكان.





